السيد كمال الحيدري

298

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

ذلك ، راحت تثير في ذهنه استفهامات حائرة حول كيفيّة المواءمة بينها وبين النظام الأحسن ، خاصّة وأنّ القرآن نفسه يتحدّث عن وجود الشرّ . 4 لابست فكرة الشرّ الوجود الإنسانى منذ بواكيره الأولى ، فبالإضافة إلى الأديان الكتابية اعتنت الحضارات الإنسانية القديمة في بابل وما بين النهرين ومصر والهند وفارس واليونان بالمسألة وبلورت العديد من النظريات حولها مررنا عليها بشكل سريع ، مع إبراز عناية واضحة بالخطّ الفكري الذي تطوّر عليه التنظير المسيحي مروراً برموز كبيرة مثل اوريجين والقدّيس اوغسطين وتوما الاكوينى ومارتن لوثر . 5 قدّم الفكر الفلسفي والديني عدداً من التكييفات النظرية لمعالجة إشكالية الشرور ، ربّما كان أبرزها وأكثرها صدىً في مناخات هذا الفكر ، أطروحة عدمية الشرور . الأساس في هذه الأطروحة أنّها تذهب إلى عدم وجودية الشرور ، ومن ثمّ فهي لا تحتاج إلى مبدأ فاعلىّ لأنّها أعدام أو ترجع إلى العدم . ولا تقصد الأطروحة بعدمية الشرور العدمَ المطلق في مقابل الوجود بل العدم المضاف ، وقد استند متبنّوها لإثبات رؤيتهم بعدد من الأدلّة منها برهان الخُلف والاستقراء وغير ذلك . لهذه الأطروحة خلفية عريقة في الفكر الفلسفي والديني تعود بها إلى أفلاطون ، وهى تكفى بالبناءات النظرية التي تقدّمها لضرب الأساس المنطقي الذي ترتكز إليه الاتجاهات الثنوية والإلحادية التي تأخذ من الشرور ذريعة لدعواها في تعدّد الآلهة أو الجحود بالخالق . 6 لم يستسلم العقل الإنسانى إلى أطروحة عدمية الشرور ، بل مضى يثير الأسئلة ويعيد إنتاج الإشكالية مجدّداً ، لكن على نحو يرتبط هذه المرّة بالهندسة الوجودية للكون . أفلم يكن بمقدور الخالق أن يصمّم الوجود على نحو بحيث